الشيخ عبد الله البحراني
6
العوالم ، الإمام الرضا ( ع )
بعد موت الرشيد من فتن واضطرابات وثورات داخلية ، حيث تقلّد الأمين الخلافة - وهو شاب طائش - ثمّ مقتله بتدبير من أخيه المأمون بما يتملّكه من دهاء ومراوغة ، واستيلائه على الخلافة ، واتّضاح عجزه عن تثبيت أسس الخلافة الوضعية ، وانحرافه وبعده عن قيم الخلافة الإلهية ، لهذه الأسباب مجتمعة فقد كانت الامّة بأمس الحاجة إلى شخص مسدّد ومؤيّد من اللّه تعالى ، يأخذ بيدها وينتشلها من دياجير الظلمة وبراثن الأفكار العقيمة ، وكان لا بدّ لها من قائد ملهم لهم يعيد الثقة إلى النفوس المنكسرة من خلال تبوّئه مركزا قياديّا ، وتربّعه على قمة الهرم الاجتماعي ، ويكون متقلّدا بالإضافة إلى سلطته الدينيّة الموكولة له من اللّه تعالى ، السلطة الدنيويّة التي يعهد له بها من الحاكم . وهذه صفات لا يحظى بها إلّا من اختاره اللّه على علم على العالمين ، فكان بحقّ هو من سئل عن كلمة التوحيد ، فقال : « . . . وأنا من شروطها » في تلك الوقفة الخالدة ليعلن أمام الملأ أجمع بأنّه إمام من اللّه ، مفترض الطاعة على المسلمين كافّة ، وفعلا ثنيت له وسادة جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فخصم أهل الكتب ، وردّ حملة العقائد الفاسدة ، ودحض مروّجي الأفكار البالية ، وثبّت قواعد الإسلام ، وبيّن فروع الأحكام ، وأرسى أركان الدين ، وربّى رجال العلم ، وغذّى روّاد الحقيقة بنظره الصائب ، وفقهه الجمّ ، وعلمه الفيّاض المستقى من معين النبوّة الرائق الفضفاض ، فرتق الفتق ، ورأب الصدع ، بما أقام من حدود ، وطبّق من بنود كانت لأهل الوفاق موزعا ، ولأهل الشقاق وازعا . عزيزي القارئ ، إنّ هذا لم يكن باليسير الهيّن أمام تلكم التحدّيات والأزمات والمحن القاسية لو كان الإمام عليه السلام باقيا جليس داره ، بل إنّ الخطر سيتفاقم بشكل أوسع مهددا حياة الإمام صلوات اللّه وسلامه عليه وشيعته وأتباعه ومحبّيه ، فأبت المشيئة الإلهية والإرادة الربّانية إلّا ارتقاء الإمام الرضا عليه السلام منبر الحكم ، حيث الكلمة المسموعة النافذة ، مكمّلا ومتمّما وداعما الرسالة التي بلّغها آباؤه المعصومون ، وممهّدا لمن يأتي من بعده من أبنائه المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، فسلام على إمامنا الشهيد يوم ولد ، ويوم أقام حكم اللّه ونشر تعاليم السماء ، ويوم استشهد مظلوما ، ويوم يبعث حيّا بإذن اللّه ، والحمد للّه أوّلا وآخرا ، والصلاة والسلام على خاتم النبوّة وعلى آله الطاهرين وشيعتهم جميعا . الراجي عفو ربّه ورحمته محمّد باقر بن المرتضى الموسوي الموحد الأبطحي الأصفهاني